وهبة الزحيلي

248

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

و في الصحيحين : « إن أهل عليين ليرون من فوقهم ، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء ، لتفاضل ما بينهم ، قالوا : يا رسول الله ، تلك منازل الأنبياء ؟ قال : بلى ، والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين » و في السنن : « وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما » . جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ، وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى أي تلك الدرجات العلى في جنات إقامة تجري من تحت غرفها الأنهار ، ماكثين فيها أبدا ، وذلك الفوز الذي أحرزوه جزاء من طهر نفسه من دنس الكفر والمعاصي الموجبة للنار ، واتبع المرسلين فيما جاؤوا به من عند الله العلي القدير . فقه الحياة أو الأحكام : يستنبط من الآيات ما يأتي : 1 - الأدب الحسن يفيد في الدنيا والآخرة ، فلما خير السحرة موسى بين أن يلقي أولا أو يلقوهم ، أفادهم ذلك في التوفيق للإيمان . ولما قدمهم موسى في الإلقاء وهم الجمع الكثير ، نصره ربه ، فالتقمت عصاه التي تحولت حية جميع ما ألقوه من الحبال والعصي ، وكان ظهور المعجزة أوقع وأتم وأوضح . وليس أمر موسى بالإلقاء رضى منه بما هو سحر وكفر ؛ إذ لا يقصد منه ظاهر الأمر ؛ فلا يكون نفس الإلقاء كفرا ومعصية ، وإنما هو وسيلة لما بعده ، ليظهر الفرق بين ذلك الإلقاء وبين معجزة الرسول موسى عليه السلام ، ولأن الأمر مشروط بتقدير محذوف هو : ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين . ثم إنه قدمهم في الإلقاء على نفسه ، مع أن تقديم إيراد الشبهة على إيراد الحجة غير جائز ؛ ليكون إظهار المعجزة سببا لإزالة الشبهة .